ابن كثير

154

البداية والنهاية

عن ظهره وأخرج من الدقيق في القدر ، وألقى عليه من الشحم ، وجعل ينفخ تحت القدر والدخان يتخلل لحيته ساعة ، ثم أنزلها عن النار وقال : إيتيني بصحفة . فأتى بها فغرفها ثم تركها بين يدي الصبيان وقال : كلوا ، فأكلوا حتى شبعوا - والمرأة تدعو له وهي لا تعرفه - فلم يزل عندهم حتى نام الصغار ، ثم أوصلهم بنفقة وانصرف ، ثم أقبل علي فقال : يا أسلم الجوع الذي أسهرهم وأبكاهم . وقيل : إن علي بن أبي طالب رضي الله عنه رأى عمر وهو يعدو إلى ظاهر المدينة فقال له : إلى أين يا أمير المؤمنين ؟ فقال : قد ند بعير من إبل الصدقة فأنا أطلبه . فقال : قد أتعبت الخلفاء من بعدك . وقيل : إنه رأى جارية تتمايل من الجوع فقال : من هذه ؟ فقالت ابنة عبد الله : هذه ابنتي . قال : فما بالها ؟ فقالت : إنك تحبس عنا ما في يدك فيصيبنا ما ترى . فقال : يا عبد الله ، بيني وبينكم كتاب الله ، والله ما أعطيكم إلا ما فرض الله لكم ، أتريدون مني أن أعطيكم ما ليس لكم : فأعود خائنا ؟ . روي ذلك عن الزهري . وقال الواقدي : حدثنا أبو حمزة يعقوب بن مجاهد عن محمد بن إبراهيم عن أبي عمرو قال : قلت لعائشة : من سمى عمر الفاروق أمير المؤمنين ؟ قالت : النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يا أمير المؤمنين هو " وأول من حياه بها المغيرة بن شعبة " وقيل غيره . فالله أعلم . وقال ابن جرير : حدثني أحمد بن عبد الصمد الأنصاري ، حدثتني أم عمرو بنت حسان الكوفية - وكان قد أتى عليها مائة وثلاثون سنة - عن أبيها قال : لما ولي عمر قالوا : يا خليفة رسول الله . فقال عمر : هذا أمر يطول ، بل أنتم المؤمنون وأنا أميركم . فسمي أمير المؤمنين . وملخص ذلك أن عمرو رضي الله عنه لما فرغ من الحج سنة ثلاث وعشرين ونزل بالأبطح دعا الله عز وجل وشكا إليه أنه قد كبرت سنه وضعفت قوته ، وانتشرت رعيته ، وخاف من التقصير ، وسأل الله أن يقبضه إليه ، وأن يمن عليه بالشهادة في بلد النبي صلى الله عليه وسلم ، كما ثبت عنه في الصحيح أنه كان يقول : اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك ، وموتا في بلد رسولك ، فاستجاب له الله هذا الدعاء ، وجمع له بين هذين الامرين الشهادة في المدينة النبوية وهذا عزيز جدا ، ولكن الله لطيف بما يشاء تبارك وتعالى ، فاتفق له أن ضربه أبو لؤلؤة فيروز المجوسي الأصل ، الرومي الدار ، وهو قائم يصلي في المحراب ، صلاة الصبح من يوم الأربعاء ، لأربع بقين من ذي الحجة من هذه السنة بخنجر ذات طرفين ، فضربه ثلاث ضربات ، وقيل ست ضربات ، إحداهن تحت سرته قطعت السفاق فخر من قامته ، واستخلف عبد الرحمن بن عوف ، ورجع العلج بخنجره لا يمر بأحد إلا ضربه ، حتى ضرب ثلاثة عشر ( 1 ) رجلا مات منهم ستة ، فألقى عليه عبد الله بن

--> ( 1 ) كذا في الأصل وابن سعد ، وفي الاستيعاب اثنا عشر رجلا ، وقال ابن سعد : ثلاثة عشر رجلا مات منهم تسعة .